الشيخ الأنصاري
350
مطارح الأنظار ( ط . ج )
قضيّة كلّ منهما للآخر ، حيث إنّ المقدّميّة لا تقتضي إلّا التوصّليّة ، والعباديّة قاضية بالتعبّديّة ، وهما متنافيان متباينان ، على ما عرفت في تحديدهما . فيجاب بأن لا تنافي بينهما لاختلاف الجهة ، حيث إنّ الأمر المقدّمي متأخّر اعتباره في العبادة عن الأمر الّذي تعلّق بها وبه صارت عبادة ، كما لو فرض اشتراط الصلاة بعبادة خارجة مستقلّة مأمور بها في حيال ذاتها كالصوم مثلا ، إذ لا ضير في ذلك ، فإنّ المصحّح للعباديّة فيها هو الأمر الأوّل ، والاشتراط قاض بمقدّميّة العبادة المفروضة من غير غائلة . وأخرى يستشكل في أنّ الأمر المقدّمي كيف يقضي بالتعبّديّة من حيث إنّها مقدّمة بعد معلوميّة الغرض من الأمر بها كما هو مناط الإشكال في المقام ؟ والجواب المذكور لا ينهض بدفعه ، لاتّحاد جهتي التعبّد والتوصّل حينئذ ، كما لا يخفى . الثاني : أنّ المقدّمة التي تكون عبادة ليست من الأفعال العاديّة « 1 » التي تعلم بارتباط ذيها بها على نحو معلوميّة ارتباط الصعود على السطح بمقدّماته التي يتوقّف عليها ، فإنّ المعلوم عندنا من الصلاة ليس إلّا نفس الحركات والسكنات ، ونحن لا نعقل توقّفا لهذه الصورة على الأفعال الواقعة عند تحصيل الطهارات « 2 » . نعم ، بعد ما كشف الشارع الحكيم عن توقّف الصلاة عليها لا بدّ من إيجادها للتوصّل بها إليها ، وحيث إنّ الأفعال الواقعة في الطهارات أيضا ممّا لا نعرف منها إلّا الحركة الخاصّة ، فلا بدّ أن يكون الداعي إلى إيجادها هو توقّف الصلاة عليها في نظر الآمر ، كما أنّه لا بدّ من إيجاد هذه الحركات على وجه يكون في الواقع ممّا يترتّب عليها فعل الصلاة . ولا سبيل لنا إلى العلم بذلك إلّا أن تقع هذه الحركات على وجه تعلّق الأمر بها ، ولا نعني بالقربة إلّا ذلك .
--> ( 1 ) في ( ع ) و ( م ) : العباديّة . ( 2 ) في ( ط ) زيادة : كما لا يخفى .